عبد الرحمن السهيلي

8

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

لو وضعوا الشمس في يميني : وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته ، أو كما قال . خص الشمس باليمين ؛ لأنها الآية المبصرة ، وخص القمر بالشمال لأنها الآية الممحوة ، وقد قال عمر رحمه الله لرجل ، قال له : إني رأيت في المنام كأن الشمس والقمر يقتتلان ، ومع كل واحد منهما نجوم ، فقال عمر : مع أيهما كنت ؟ فقال : مع القمر ، قال : كنت مع الآية الممحوة ، اذهب ، فلا تعمل لي عملاً ، وكان عاملاً له ، فعزله ، فقتل الرجل في صفين مع معاوية ، واسمه : حابس بن سعد ، وخص رسول الله صلى الله عليه وسلم النيرين حين ضرب المثل بهما ؛ لأن نورهما محسوس ، والنور الذي جاء به من عند الله وهو الذي أرادوه على تركه هو لا محالة أشرف من النور المخلوق ، قال الله سبحانه : « يُريدون أنْ يُطْفِئوا نُورَ اللّه بأفواهِهِم ويأبى اللَّهُ إلاَّ أن يُتِمَّ نورَه » التوبة . فاقتضت بلاغة النبوة لما أرادوه على ترك النور الأعلى أن يقابله بالنور الأدنى ، وأن يخص أعلى النيرين ، وهي الآية المبصرة بأشرف اليدين ، وهي اليمنى بلاغة لا مثلها ، وحكمة لا يجهل اللبيب فضلها . الرأي والبداء : وقول ابن إسحاق : ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد بدا لعمه بداء ، أي : ظهر له رأي ، فسمي الرأي بداء ، لأنه شيء يبدو بعد ما خفي ، والمصدر البدء والبدو والاسم : البداء ، ولا يقال في المصدر : بدا له بدو ، كما لا يقال : ظهر له ظهور بالرفع ؛ لأن الذي يظهر ، ويبدو ها هنا هو الاسم : نحو البداء وأنشد أبو علي : لعلك والموعود حقٌّ وفاؤه * بدا لك في تلك القلوص بداء ومن أجل أن البدو هو الظهور ، كان البداء في وصف الباري سبحانه محالاً ؛ لأنه لا يبدو له شيء كان غائباً عنه ، والنسخ للحكم ليس ببداء كما توهمت الجهلة من الرافضة واليهود ، إنما هو تبديل حكم بحكم بقدر قدره ، وعلم علمه ، وقد يجوز أن يقال : بدا له أن يفعل كذا ، ويكون معناه : أراد . وهذا من المجاز الذي لا سبيل إلى إطلاقه إلا بإذن من صاحب الشرع ، وقد صح في ذلك ما خرجه البخاري في حديث الثلاثة : الأعمى والأقرع والأبرص ، وأنه عليه السلام قال : بدا لله أن يبتلهم ، فبدا هنا بمعنى : أراد ، وذكرنا الرافضة ، لأن ابن أعين ، ومن اتبعه منهم ، يجيزون البداء على الله تعالى ، ويجعلونه والنسخ شيئاً واحداً ، واليهود لا تجيز النسخ يحسبونه بداءً ، ومنهم من أجاز البداء كالرافضة ، ويروى أن علياً رحمه الله صلى يوماً ، ثم ضحك فسئل عن ضحكه فقال : تذكرت أبا طالب حين فرضت الصلاة ، ورآني أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة فقال : ما هذا الفعل الذي أرى ؟ فلما أخبرناه ، قال : هذا حسن ، ولكن لا أفعله أبداً ، لا أحب أن تعلوني استي فتذكرت الآن قوله ، فضحكت . قريش تعرض عمارة بن الوليد على أبي طالب : وذكر قول الملأ من قريش لأبي طالب : هذا عمارة بن الوليد أنهد فتىً في قريش ، وأجمله ، فخذه مكان ابن أخيك . أنهد . أي : أقوى وأجلد ، ويقال : فرس نهد للذي يتقدم الخيل ، وأصل هذه الكلمة : التقدم ، ومنه يقال : نهد ثدي الجارية ، أي : برز قدماً وعمارة بن الوليد هذا المذكور هو : الذي أرسلته قريش مع عمرو بن العاص إلى أرض الحبشة فسحر هناك ، وجن ، وسنزيد في خبره شيئاً بعد هذا إن شاء الله .